التدمرية
19-04-2008, 03:22 مساء
جمـال المطلع وبراعة الاستهـلالفى السـور القرآنيـةعّرف البلاغيون براعة الاستهلال بأنها استهلال الكلام وابتداؤه بما يناسب المقصود. ومثلوا لها بأمثلة كثيرة منها قول أشجع السلمى:قصر عليه تحية وسلام ..................... نشرت عليه جمالها الأياموقول أحمد شوقى فى ذكرى ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم:ولد الهدى فالكائنات ضياء................ وفم الزمان تبسم وثناءوأخذ البلاغيون على كثير من الشعراء عدم تخيرهم فى مطالع قصائدهم الألفاظ المناسبة للمقامات، ومثلوا لذلك بأمثلة كثيرة منها:- غضب هشام بن عبد الملك من ذى الرمة حين استهل مديحه له بقوله: « ما بال عينيك منها الدمع ينكسب ؟! «فقال له هشام: بل عينك أنت!- وأخذ الداعى العلوى على ابن مقاتل الضرير بدأه يوم المهرجان بقوله:لا تقل بشرى، ولكن بشريان................... غرة الداعى ويوم المهرجانفتشاءم الداعى العلوى، وقال له: (يا أعمى تبدأ بهذا يوم المهرجان.. يوم الفرح والسرور)! وذلك حين بدأ ابن مقاتل قصيدته بالنهى عن قول بشرى. وقد قال له الداعى العلوى: هلاّ قلت: إن تقل بشرى فعندى بشريان.هذا هو حال البشر حين يتكلمون.. يوفق فريق فى جمال المطلع وحسن الابتداء، ويخفق فريق آخر.أما القرآن الكريم كلام الله الذى أتقن كل شئ، فكله جمال تعلو فنيته على كل فن، وللقرآن بلاغة بلغت حد الكمالتـفرّد فى عصر البيان بيانه .................بأسلوبه؛ إذ نظمه متفردوفى نظمه بعد الغرابة معجز................. محاسنه لم تنحصر؛ فتعدَّدوجاء سليما نظمه من معايب.................. بلا سقطة منه لمن يتفقد
ومن معالم الجمال الفائق والإعجاز العالى: ما نراه فى كل سورة من سور القرآن الكريم
من مطلع جميل، وابتداء حسن، واستهلال بارع.
وهذه سورة النجم مثالاإن براعة الاستهلال فى مطلع سورة النجم، فحدّث عنها ولا حرج، وقف أمامها طويلاً متأملا؛ لأن الوقوف أمامها:يزيد على طول التأمل بهجة.............. كأن العيون الناظرات صياقلوبراعة الاستهلال فيها:
أندى على الأكباد من قطر الندى.............. وألذ فى الأجفان من سنة الكرىاقرأ الآيات التى صورت معراج الحبيب إلى الملأ الأعلى، وما رأى من آيات ربه الكبرى فى ليلة الإسراء والمعراج.. وتأمل حسن الابتداء بـ (النجم) مقسما به، وتدبر براعة الاستهلال بحركة تلألؤ ذلك النجم، ثم هويه ودنوه.و مهما يكن المراد بالنجم الذى أقسم الله به فى مطلع سورة النجم، فإن استهلال السورة بهذه اللفظة - لفظة النجم - استهلال بارع، ومفتتح حسن، وابتداء فى قص واقعة المعراج وما تلاها من آيات السورة فى غاية الروعة والجمال؛ ذلك أن لفظة (النَّجْم) لفظة عذبة رقيقة توحى بالجمال، ولذلك قال الحق سبحانه: (وَ لقد زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ) [الملك: 5] فهى زينة تبدو جميلة فى العيون، ومصباح يتلألأ نوراً. على أنها مناسبة تمام المناسبة لذلك الأفق الوضيئ الطليق المرفرف الذى عاش فيه قلب محمد وبصره، وهو يرف - فى ليلة الإسراء والمعراج بأجنحة النور المنطلقة إلى الملأ الأعلى، حيث استوى، ثم دنا فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى، فأوحى له الله ما أوحى، ورأى من آيات ربه الكبرى ما رأى.فبراعة الاستهلال، وحسن الابتداء، وجمال المطلع متحقق بذلك النجم الذى هوى، مهما كان المراد به. ويكفى أن الحق سبحانه حين يقسم فى القرآن بشئ من مخلوقاته لا يقسم إلا بأشرفها، كالطُّورَ وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ، وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ، وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ،، وغيرها مما أقسم الله به فى كتابه العزيز، وهو لا يقسم بها إلا على أمر عظيم رهيب، يرج القلب رجا ويهز النفس هزا.والرائع حقا: أن الحق سبحانه ختم سورة (الطُّور) التى تسبق سورة النجم فى المصحف الشريف بقوله: (وَإِدْبَارَ النُّجُومِ) [الآية 49] وافتتح هذه بقوله: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى)، ثم تجئ فى المصحف بعدها سورة القمر.. يا له من حسن التناسق!هذا وتبلغ براعة الاستهلال ذروتها، لو قلنا : إن المقصود بالنجم الذى هوى: هو الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم، إذ نزل من السماء ليلة المعراج بعد الصعود إليها. وهو تفسير له ما يؤكده فى القرآن الكريم، فالقسم بالحبيب هنا كالقسم به فى قوله تعالى: (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ) الحجر: 72، أى «وحياتك وعمرك وبقائك فى الدنيا إنهم فى ضلالتهم يلعبونقال ابن قيم الجوزية: «أكثر المفسرين من السلف والخلف - بل لا يعرف عن السلف فيه نزاعا - أن هذا قسم من الله بحياة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا من أعظم فضائله أن يقسم الرب عز وجل بحياته، وهذه مزية لا تعرف لغيره....... وما أقسم الله تعالى بحياة نبى غيره ..... ولا ريب أن عمره وحياته صلى الله عليه وسلم من أعظم النعم والآيات، فهو أهل أن يقسم الله به»وتأسيسا على ما قاله ابن القيم يصح تفسير النجم الذى هوى بأنه الحبيب الذى هوى وأحب ربه، وتعلق قلبه بالأفق الأعلى، فتحقق له ما أراد، فى ليلة الإسراء والمعراج. ويكون فى القسم به تشريف عظيم ومقام رفيع وجاه عريض،كما قال ابن كثير:ويكون القسم به فى مطلع سورة النجم صورة بديعة من صور براعة الاستهلال التى نراها فى مفتتحات السور القرآنية.لقد كانت ليلة الإسراء والمعراج ليلة نورانية من أعظم الليالى فى حياة محمد.. ذلك النجم الإنسانى العظيم، والنور المتجسد لهداية العالم فى حيرة ظلماته النفسية.لقد حار المفسرون - والكلام هنا للمرحوم مصطفى صادق الرافعى - فى حكمة ذكر (الليل) فى آية الإسراء من قوله تعالى:(سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا)؛ فإن السرى فى لغة العرب لا يكون إلا ليلاً."والحكمة هى الإشارة إلى أن القصة قصة (النجم) الإنسانى العظيم الذى تحول من إنسانيته إلى نوره السماوى فى هذه المعجزة، ويتمم هذه العجيبة أن آيات «المعراج» لم تجئ إلا فى سورة: (النجم)."وعلى تأويل أن ذكر (الليل) إشارة إلى قصة النجم، تكون الآية برهان نفسها، وتكون فى نسقها قد جاءت معجزة من المعجزات البيانية، فإذا قيل إن نجماً دار فى السماء، أو قطع ما تقطعه النجوم من المسافات التى تعجز الحساب، فهل فى ذلك من عجيب؟ وهل فيه شك أو نظر أو تردد؟ وهل هو إلا من بعض ما يسبح الله بذكره؟ وهل يكون إلا آية اتصلت بالآيات التىنراها اتصال الوجود بعضه ببعض؟"وأنا ما يكاد ينقضى عجبى من قوله تعالى: (لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا). مع أن الألفاظ كما ترى مكشوفة واضحة، يخيل إليك أن ليس وراءها شئ، ووراءها السر الأكبر، فإنها بهذه العبارة نص على إشراف النبى ( فوق الزمان والمكان يرى بغير حجاب الحواس مما مرجعه إلى قدرة الله لا قدرة نفسه، بخلاف ما لو كانت العبارة: (ليرى من آياتنا) فإن هذا يجعله لنفسه الاعتراض ولا تكون ثم معجزة."وتحويل فعل (الرؤية) من صيغة إلى صيغة كما رأيت، هو بعينه إشارة إلى تحويل الرائى من شكل إلى شكل كما ستعرفه، وهذه معجزة أخرى يسجد لها العقل، فتبارك الله منزل هذا الكلام!"وإذا كان (نجماً إنسانياً فى نوره، فلن يأتى هذا إلا من غلبة روحانيته على مادته، وإذا غلبت روحانيته كانت قواه النفسية مهيأة فى الدنيا لمثل حالتها فى الأخرى، فهو فى هذه المعجزة أشبه بالهواء المتحرك. فقل الآن: أيعترض على الهواء إذا ارتفع بأنه لم يرتفع فى طيارة... ؟ومن ثم كان الإنسان إذا سما درجة واحدة فى ثبات قواه الروحية، سما بها درجات فوق الدنيا وما فيها، وسخرت له المعانى التى تسخر غيره من الناس، ونشأت له نواميس أخلاقية غير النواميس التى تتسلط بها الأهواء. ومتى وجد الشئ من الأشياء كانت طبائع وجوده هى نواميسه، فالنار مثلاً إذا تضرمت أوجدت الإحراق فيما يحترق، فإن وضع فيها مالا يحترق أبطل نواميسها وغلب عليها.وكل معجزة تحدث فهذا هو سبيلها فى إيجاد النواميس الخاصة بها وإبطالالنواميس المألوفة، وبهذا يقال: إنها خرقت العادة. ومن النور نور لا يشف له غير الهواء، ومنه أشعة (رونتجن) التى تشف لها الجدران والحجب، فهذه معجزة فى ذاك».هكذا يتضح على ضوء ما تقدم ذكره :أن كل سورة من سور القرآن الكريم ذات ابتداء حسن، ومطلع جميل، واستهلال بارع، ولم لا يكون الأمر كذلك ومنزل القرآن الكريم: جميل يحب الجمال فى كل شئ؟. ذلك أن السورة كلها خالصة للحبيب محمد ، فيها تسرية له من ربه وتسلية وترويح وتطمين .. كلها أنسام من الرحمة، وألطاف من القربى، وهدهدة للروح المتعب، والقلب الموجوع."منقول بتصرف"
ومن معالم الجمال الفائق والإعجاز العالى: ما نراه فى كل سورة من سور القرآن الكريم
من مطلع جميل، وابتداء حسن، واستهلال بارع.
وهذه سورة النجم مثالاإن براعة الاستهلال فى مطلع سورة النجم، فحدّث عنها ولا حرج، وقف أمامها طويلاً متأملا؛ لأن الوقوف أمامها:يزيد على طول التأمل بهجة.............. كأن العيون الناظرات صياقلوبراعة الاستهلال فيها:
أندى على الأكباد من قطر الندى.............. وألذ فى الأجفان من سنة الكرىاقرأ الآيات التى صورت معراج الحبيب إلى الملأ الأعلى، وما رأى من آيات ربه الكبرى فى ليلة الإسراء والمعراج.. وتأمل حسن الابتداء بـ (النجم) مقسما به، وتدبر براعة الاستهلال بحركة تلألؤ ذلك النجم، ثم هويه ودنوه.و مهما يكن المراد بالنجم الذى أقسم الله به فى مطلع سورة النجم، فإن استهلال السورة بهذه اللفظة - لفظة النجم - استهلال بارع، ومفتتح حسن، وابتداء فى قص واقعة المعراج وما تلاها من آيات السورة فى غاية الروعة والجمال؛ ذلك أن لفظة (النَّجْم) لفظة عذبة رقيقة توحى بالجمال، ولذلك قال الحق سبحانه: (وَ لقد زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ) [الملك: 5] فهى زينة تبدو جميلة فى العيون، ومصباح يتلألأ نوراً. على أنها مناسبة تمام المناسبة لذلك الأفق الوضيئ الطليق المرفرف الذى عاش فيه قلب محمد وبصره، وهو يرف - فى ليلة الإسراء والمعراج بأجنحة النور المنطلقة إلى الملأ الأعلى، حيث استوى، ثم دنا فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى، فأوحى له الله ما أوحى، ورأى من آيات ربه الكبرى ما رأى.فبراعة الاستهلال، وحسن الابتداء، وجمال المطلع متحقق بذلك النجم الذى هوى، مهما كان المراد به. ويكفى أن الحق سبحانه حين يقسم فى القرآن بشئ من مخلوقاته لا يقسم إلا بأشرفها، كالطُّورَ وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ، وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ، وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ،، وغيرها مما أقسم الله به فى كتابه العزيز، وهو لا يقسم بها إلا على أمر عظيم رهيب، يرج القلب رجا ويهز النفس هزا.والرائع حقا: أن الحق سبحانه ختم سورة (الطُّور) التى تسبق سورة النجم فى المصحف الشريف بقوله: (وَإِدْبَارَ النُّجُومِ) [الآية 49] وافتتح هذه بقوله: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى)، ثم تجئ فى المصحف بعدها سورة القمر.. يا له من حسن التناسق!هذا وتبلغ براعة الاستهلال ذروتها، لو قلنا : إن المقصود بالنجم الذى هوى: هو الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم، إذ نزل من السماء ليلة المعراج بعد الصعود إليها. وهو تفسير له ما يؤكده فى القرآن الكريم، فالقسم بالحبيب هنا كالقسم به فى قوله تعالى: (لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ) الحجر: 72، أى «وحياتك وعمرك وبقائك فى الدنيا إنهم فى ضلالتهم يلعبونقال ابن قيم الجوزية: «أكثر المفسرين من السلف والخلف - بل لا يعرف عن السلف فيه نزاعا - أن هذا قسم من الله بحياة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا من أعظم فضائله أن يقسم الرب عز وجل بحياته، وهذه مزية لا تعرف لغيره....... وما أقسم الله تعالى بحياة نبى غيره ..... ولا ريب أن عمره وحياته صلى الله عليه وسلم من أعظم النعم والآيات، فهو أهل أن يقسم الله به»وتأسيسا على ما قاله ابن القيم يصح تفسير النجم الذى هوى بأنه الحبيب الذى هوى وأحب ربه، وتعلق قلبه بالأفق الأعلى، فتحقق له ما أراد، فى ليلة الإسراء والمعراج. ويكون فى القسم به تشريف عظيم ومقام رفيع وجاه عريض،كما قال ابن كثير:ويكون القسم به فى مطلع سورة النجم صورة بديعة من صور براعة الاستهلال التى نراها فى مفتتحات السور القرآنية.لقد كانت ليلة الإسراء والمعراج ليلة نورانية من أعظم الليالى فى حياة محمد.. ذلك النجم الإنسانى العظيم، والنور المتجسد لهداية العالم فى حيرة ظلماته النفسية.لقد حار المفسرون - والكلام هنا للمرحوم مصطفى صادق الرافعى - فى حكمة ذكر (الليل) فى آية الإسراء من قوله تعالى:(سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا)؛ فإن السرى فى لغة العرب لا يكون إلا ليلاً."والحكمة هى الإشارة إلى أن القصة قصة (النجم) الإنسانى العظيم الذى تحول من إنسانيته إلى نوره السماوى فى هذه المعجزة، ويتمم هذه العجيبة أن آيات «المعراج» لم تجئ إلا فى سورة: (النجم)."وعلى تأويل أن ذكر (الليل) إشارة إلى قصة النجم، تكون الآية برهان نفسها، وتكون فى نسقها قد جاءت معجزة من المعجزات البيانية، فإذا قيل إن نجماً دار فى السماء، أو قطع ما تقطعه النجوم من المسافات التى تعجز الحساب، فهل فى ذلك من عجيب؟ وهل فيه شك أو نظر أو تردد؟ وهل هو إلا من بعض ما يسبح الله بذكره؟ وهل يكون إلا آية اتصلت بالآيات التىنراها اتصال الوجود بعضه ببعض؟"وأنا ما يكاد ينقضى عجبى من قوله تعالى: (لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا). مع أن الألفاظ كما ترى مكشوفة واضحة، يخيل إليك أن ليس وراءها شئ، ووراءها السر الأكبر، فإنها بهذه العبارة نص على إشراف النبى ( فوق الزمان والمكان يرى بغير حجاب الحواس مما مرجعه إلى قدرة الله لا قدرة نفسه، بخلاف ما لو كانت العبارة: (ليرى من آياتنا) فإن هذا يجعله لنفسه الاعتراض ولا تكون ثم معجزة."وتحويل فعل (الرؤية) من صيغة إلى صيغة كما رأيت، هو بعينه إشارة إلى تحويل الرائى من شكل إلى شكل كما ستعرفه، وهذه معجزة أخرى يسجد لها العقل، فتبارك الله منزل هذا الكلام!"وإذا كان (نجماً إنسانياً فى نوره، فلن يأتى هذا إلا من غلبة روحانيته على مادته، وإذا غلبت روحانيته كانت قواه النفسية مهيأة فى الدنيا لمثل حالتها فى الأخرى، فهو فى هذه المعجزة أشبه بالهواء المتحرك. فقل الآن: أيعترض على الهواء إذا ارتفع بأنه لم يرتفع فى طيارة... ؟ومن ثم كان الإنسان إذا سما درجة واحدة فى ثبات قواه الروحية، سما بها درجات فوق الدنيا وما فيها، وسخرت له المعانى التى تسخر غيره من الناس، ونشأت له نواميس أخلاقية غير النواميس التى تتسلط بها الأهواء. ومتى وجد الشئ من الأشياء كانت طبائع وجوده هى نواميسه، فالنار مثلاً إذا تضرمت أوجدت الإحراق فيما يحترق، فإن وضع فيها مالا يحترق أبطل نواميسها وغلب عليها.وكل معجزة تحدث فهذا هو سبيلها فى إيجاد النواميس الخاصة بها وإبطالالنواميس المألوفة، وبهذا يقال: إنها خرقت العادة. ومن النور نور لا يشف له غير الهواء، ومنه أشعة (رونتجن) التى تشف لها الجدران والحجب، فهذه معجزة فى ذاك».هكذا يتضح على ضوء ما تقدم ذكره :أن كل سورة من سور القرآن الكريم ذات ابتداء حسن، ومطلع جميل، واستهلال بارع، ولم لا يكون الأمر كذلك ومنزل القرآن الكريم: جميل يحب الجمال فى كل شئ؟. ذلك أن السورة كلها خالصة للحبيب محمد ، فيها تسرية له من ربه وتسلية وترويح وتطمين .. كلها أنسام من الرحمة، وألطاف من القربى، وهدهدة للروح المتعب، والقلب الموجوع."منقول بتصرف"