مشاهدة النسخة كاملة : القرآن العظيم وامرئ القيس
حفص السيسي
30-04-2011, 01:53 مساء
، نقف اليوم مع شبهة تمسك بها بعض الجهلة من النصارى وغيرهم ، وحاصلها الادعاء بأن القرآن الكريم قد اقتبس من شعر امرىء القيس عدة فقرات منه ، وضمنها في آياته وسوره ، ولم يحصل هذا الأمر في آية أو آيتين ، بل هي عدة آيات كما يزعمون .
وإذا كان الأمر كذلك ، لم يكن ما يدندن حوله المسلمون من بلاغة القرآن وإعجازه مكان أو حقيقة ، بل القرآن في ذلك معتمد على بلاغة من سبقه من فحول الشعراء وأساطين اللغة .
وقد استدل هؤلاء بما أورده المناوي في كتابه فيض القدير شرح الجامع الصغير [ 2 / 187 ] ، حيث قال ما نصه :" وقد تكلم امرؤ القيس بالقرآن قبل أن ينزل ، فقال :
يتمنى المرء في الصيف الشتاء حتى إذا جاء الشتاء أنكره
فهو لا يرضى بحال واحد قتل الإنسان ما أكفره
وقال :
اقتربت الساعة وانشق القمر من غزال صاد قلبي ونفر
وقال :
إذا زلزلت الأرض زلزالها وأخرجت الأرض أثقالها
تقوم الأنام على رسلها ليوم الحساب ترى حالها
يحاسبها ملك عادل فإما عليها وإما لها " ا.هـ
وقد أورد بعضهم شيئا من الأبيات السابقة بألفاظ مختلفة ، فقال بعضهم إن امرأ القيس قال :
دنت الساعة وانشق القمر غزال صاد قلبي ونفر
مر يوم العيد بي في زينة فرماني فتعاطى فعقر
بسهام من لحاظ فاتك فر عني كهشيم المحتظر
وزاد بعضهم فقال :
وإذا ما غاب عني ساعة كانت الساعة أدهى وأمر
وقد جاء في القرآن الكريم قوله تعالى { قتل الإنسان ما أكفره } ، وقوله تعالى { اقتربت الساعة وانشق القمر } ، وقوله تعالى { إذا زلزلت الأرض زلزالها وأخرجت الأرض أثقالها } ، وقوله تعالى { إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة فكانوا كهشيم المحتظر } ، وقوله تعالى { فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر } ، وقوله تعالى { بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر }
وسوف أذكر ردود العلماءفي ذالك على خمسة أيام في كل أذكر ردين إلى ثلا ثة ردود إلى خمسةردود . .................................................. ...............
حفص السيسي
30-04-2011, 10:40 مساء
الوجه الأول : أن هذه الأبيات ليس لها وجود في كتب اللغة والأدب ، وقد بحثنا في عشرات من كتب البلاغة والأدب واللغة والشعر المتقدمة ، ولم يذكر أحد شيئا من الأبيات السابقة أو جزءا منها .
الوجه الثاني : أنه لا توجد هذه الأبيات في ديوان امرىء القيس ، على اختلاف طبعاته ، ونسخه ورواياته ، ولو كانت إحدى الأبيات السابقة صحيحة النسبة إليه أو حتى كاذبة لذكرت في إحدى دواوينه .
الوجه الثالث : أن أي متخصص وباحث في الأدب العربي ، وشعر امرئ القيس على وجه الخصوص يعلم أن شعر امرئ القيس قد وجد عناية خاصة ، وتضافرت جهود القدماء والمحدثين على جمعه وروايته ونشره ، وهناك العديد من النسخ المشهورة لديوانه كنسخة "الأعلم الشنتمري" ، ونسخة "الطوسي" ، ونسخة "السكري" ، ونسخة "البطليوسي" ، ونسخة "ابن النحاس" وغيرها ، ولا يوجد أي ذكر لهذه الأبيات في هذه النسخ ، لا من قريب ولا من بعيد ، فهل كان هؤلاء أعلم بشعر امرئ القيس ممن عنوا بجمعه وتمحصيه ونقده .
الوجه الرابع : أنه حتى الدراسات المعاصرة التي عنيت بشعر امرئ القيس وديوانه ، وما نسب إليه من ذلك ، لم يذكر أحد منهم شيئاً من هذه الأبيات لا على أنها من قوله ، ولا على أنها مما نحل عليه – أي نسب إليه وليس هو من قوله – ، ومنها دراسة للأستاذ "محمد أبو الفضل إبراهيم" في أكثر من 500 صفحة حول شعر امرئ القيس ، وقد ذكر فيه ما صحت نسبته إليه وما لم يصح ، وما نحل عليه ومن نحله ، ولم يذكر مع ذلك بيتاً واحداً من هذه الأبيات السابقة .
حفص السيسي
01-05-2011, 10:31 مساء
الوجه الخامس : أن المتقدمين من أهل اللغة والأدب كانوا يعكسون القضية ، فكانوا يذكرون الآيات القرآنية التي اقتبسها الشعراء من القرآن ، وضمنوها شعرهم ، فهذا ابن داود الظاهري الأصفهاني - وهو من أعلم الناس بأشعار العرب ، كما أنه متقدم توفي سنة 227هـ - قد عقد في كتابه " الزهرة " فصلا لما استعانت به الشعراء من كلام الله تعالى ، وكان مما ذكر قوله سبحانه { إذا زلزلت الأرض زلزالها وأخرجت الأرض أثقالها } ، وأن الخنساء ضمنته في أبيات لها فقالت :
أبعدَ ابن عمرو من آل الشّريد حلَّتْ به الأرضُ أثقالها
فخر الشّوامِـخُ من فَقْدِه وزُلزلتِ الأرضُ زلزالها
وهذا مما يدل على أن أول من نطق بهذه العبارة هو القرآن الكريم ، لأنه لو كان امرؤ القيس قد قالها قبل القرآن الكريم ، لما كان للفصل الذي عقده فائدة ، ولكانت الخنساء قد ضمنت أبيات امرىء القيس في شعرها ، لا آيات القرآن الكريم ، ولكان القرآن الكريم نفسه قد ضمن أبيات امرأ القيس ، لكن لأن الأبيات الثلاثة المنحولة على امرىء القيس والتي سبق ذكرها أول البحث ، وأولها :
إذا زلزلت الأرض زلزالها وأخرجت الأرض أثقالها
لكون تلك الأبيات لا وجود لها في عصر ابن داود الظاهري ، لم يذكرها أو يشر إليها ، بل كان الفصل الذي عقده في الآيات القرآنية التي استعان بها الشعراء .
الوجه السادس : أن غاية ما ذكر في كتب بعض المتقدمين مما نحل على امرىء القيس ، وذكر لفظه في القرآن الكريم ، ما نسب إليه من قوله :
أنا منْ قومٍ كرامٍ يطعمونَ الطيباتِ
بجفانٍ كالجوابي وقدورٍ راسياتِ
هذان هما البيتان الوحيدان اللذان ذكرهما بعض المتقدمين منسوبين إلى امرىء القيس ، ومع ذلك فقد أنكروهما وشككوا في صحة نسبتهما إليه ، فذكر ابن أبي الأصبع - المتوفى سنة 654 هـ - في كتابه " تحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر" ص486 عندما تكلم عن الإيداع أو التضمين ، وما قيل من وقوع ذلك في القرآن الكريم في قوله تعالى { يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات }، قال : " على أن بعض الرواة ذكر أنه وضعه بعض الزنادقة ، وتكلم على الآية الكريمة ، وأن امرأ القيس لم يصح أنه تلفظ به ."
ونقل عبد الرحيم العباس - المتوفى 963 هـ - في كتابه : " معاهد التنصيص على شواهد التلخيص " ص 2297 – قول ابن أبي الأصبع ، وأقره ثم أعقبه بقوله :" قلت : وقد تصفحت ديوانه على اختلاف رُواته ، فلم أجد فيه قصيدة على هذا الوزن والروي " اهـ .
فهذه كتب الأدباء والعلماء ، وأساطين اللغة والشعر الذي اطلعوا على أشعار العرب ودواوين امرئ القيس حتى نهاية القرن العاشر الهجري ، لا ينسبون إلى امرئ القيس أي شيء من هذا القبيل ، ولو أنهم اطلعوا على غيرها من الأبيات لذكروه ، سواء صحت نسبته أم لم تصح .
أبوعمر
02-05-2011, 12:01 صباحاً
http://almahr.net/1961306684261969407 :sm288::sm288::sm288:
حفص السيسي
04-05-2011, 10:42 صباحاً
الوجه السابع : أن غاية ما ذكر في كتب بعض المتقدمين مما نحل على امرىء القيس ، وذكر لفظه في القرآن الكريم ، ما نسب إليه من قوله :
أنا منْ قومٍ كرامٍ يطعمونَ الطيباتِ
بجفانٍ كالجوابي وقدورٍ راسياتِ
هذان هما البيتان الوحيدان اللذان ذكرهما بعض المتقدمين منسوبين إلى امرىء القيس ، ومع ذلك فقد أنكروهما وشككوا في صحة نسبتهما إليه ، فذكر ابن أبي الأصبع - المتوفى سنة 654 هـ - في كتابه " تحرير التحبير في صناعة الشعر والنثر" ص486 عندما تكلم عن الإيداع أو التضمين ، وما قيل من وقوع ذلك في القرآن الكريم في قوله تعالى { يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات }، قال : " على أن بعض الرواة ذكر أنه وضعه بعض الزنادقة ، وتكلم على الآية الكريمة ، وأن امرأ القيس لم يصح أنه تلفظ به ."
ونقل عبد الرحيم العباس - المتوفى 963 هـ - في كتابه : " معاهد التنصيص على شواهد التلخيص " ص 2297 – قول ابن أبي الأصبع ، وأقره ثم أعقبه بقوله :" قلت : وقد تصفحت ديوانه على اختلاف رُواته ، فلم أجد فيه قصيدة على هذا الوزن والروي " اهـ .
فهذه كتب الأدباء والعلماء ، وأساطين اللغة والشعر الذي اطلعوا على أشعار العرب ودواوين امرئ القيس حتى نهاية القرن العاشر الهجري ، لا ينسبون إلى امرئ القيس أي شيء من هذا القبيل ، ولو أنهم اطلعوا على غيرها من الأبيات لذكروه ، سواء صحت نسبته أم لم تصح .
الوجه العاشر : أن أي نقد يوجه إلى شيء من الأبيات المنسوبة إلى امرىء القيس ، يوضح ضعف سبكها ، وتهلهل نسجها ، وسقم معناها ، وسخف بعض التراكيب فيها ، فالبيت الذي فيه :
اقتربت الساعة وانشق القمر من غزال صاد قلبي ونفر
ما المراد بالساعة واقترابها ، إن كان المراد بالساعة يوم القيامة ، فالجاهليون لم يكونوا يؤمنون بالمعاد ، فضلا عن أن يذكروه في أشعارهم أو يضعوه في قصائدهم ، وإن كان المراد ساعة لقاء الحبيبة كما يزعم البعض ، فما المراد حينئذ بقوله ( وانشق القمر ) ، فإن كان المراد انشقاق القمر فعلا ، فهذا كذب ، إذ لم ينشق القمر في عهدهم أبدا ، بل انشق على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كما جاءت بذلك الروايات ، وإن كان المراد بالقمر ذكر المحبوبة ، فليس من عادة العرب التعبير عن جمال المحبوبة بانشقاق القمر ، وأي جمال في انشقاق القمر إذا انشق ، وما وجه الحسن في انشقاقه ليشبه به المحبوبة ، وقد دأب العرب على تشبيه حسن النساء بالبدر حين اكتماله ، لا بانشقاق القمر ، ثم انظر إلى ركاكة الأسلوب في البيت السابق وقارنه بقول امرىء القيس في معلقته :
قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل بسقط اللوى بين الدخول فحومل
فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها لما نسجتها من جنوب وشمأل
وقوله :
مكر مفر مقبل مدر معا كجلمود صخر حطه السيل من عل
وقوله :
ألا عم صباحا أيها الطلل البالي وهل يعمن من كان في العصر الخالي
بل قارن الأبيات التي هي موضع الشبهة ، والتي ذكرت أول البحث ، بما ثبت نحله على امرىء القيس ، وجزم بأنه ليس من قوله ، مثل :
ترى القنة الحقباء منها كأنها كميت يبارى رعلة الخيل فارد
ومثل :
وآليت لا أعطي مليكا مقادتي ولا سوقة حتى يئوب ابن مندله
ومثل :
فجعت به في ملتقى الحي خيله تركت عناق الطير تحجل حوله
وإذا قرأت الأبيات السابقة ، والتي ثبت أنها منحولة على امرىء القيس ، علمت أن الأبيات التي هي موضع الشبهة مكذوبة لا شك في ذلك ، وأنها من أردأ المنحول .
الوجه الثامن : أن البيت الذي فيه :
مر يوم العيد بي في زينة فرماني فتعاطى فعقر
يظهر منه ركاكة الأسلوب ، فإن قوله ( فتعاطى ) جاء بعد قوله ( فرماني ) ، فإذا كان قد رماه ، فأي شيء تعاطاه ، والتعاطي هو تناول الشيء ، فلماذا يتعاطى شيئا بعد أن رماه ، وكان المفترض أن يتعاطى شيئا ثم يرميه به ، لا أن يرميه ثم يتعاطى ، وقد جاء بعد هذا البيت :
بسهام من لحاظ
أي أنه قد رماه بسهام من سهام العيون ، وإذا كان الأمر كذلك ، فما فائدة قوله ( فتعاطى فعقر ) إلا الزيادة في قبح الأسلوب ورداءة المعنى ، على أن العقر إن أريد به الذبح فإنه لا يأتي في اللغة إلا في الناقة والخيل ، يقال : عقرت الناقة ، وعقرت الخيل ، ولا يقال عقر بمعنى ذبح إلا في الناقة والخيل . وإن أريد به الجرح ، فإن البيت موضوع أصلا للدلالة على الرمي المعنوي بسهام العيون ، لا على الرمي الحقيقي بآلة أو نحو ذلك ، وأيا ما كان الأمر فإن ضعف الأسلوب وركاكة التعبير تخجل من نسبة هذا الشعر إلى شاعر مولد فضلا عن شاعر عربي جاهلي .
حفص السيسي
07-05-2011, 01:28 مساء
الوجه الحادي عشر : أن البيت الذي ذكره المناوي ، وهو :
اقتربت الساعة وانشق القمر من غزال صاد قلبي ونفر
غير مستقيم من ناحية الوزن الشعري ، فالشطر الأول مكسور ، إلا لو أبدلنا ( اقتربت ) بـ ( دنت ) ، وحينئذ يتبين أن المناوي لم يكن على عناية في كتابه بذكر الشعر أو تحقيقه ، لا سيما وأن البيت الذي فيه :
إذا زلزلت الأرض زلزالها وأخرجت الأرض أثقالها
لا يستقيم في ميزان الشعر ألبتة ، فالتاء زائدة وكاسرة للوزن ، وليس هناك رواية مكذوبة أخرى لتصحح هذا الخلل ، مما يدلك على أن أصل نسبة تلك الأبيات إلى امرىء القيس ، محض خطأ أو كذب .
الوجه الثاني عشر : أن الأبيات الثلاثة التي ذكرها المناوي ، وهي :
إذا زلزلت الأرض زلزالها وأخرجت الأرض أثقالها
تقوم الأنام على رسلها ليوم الحساب ترى حالها
يحاسبها ملك عادل فإما عليها وإما لها
لا يمكن أن تصدر من امرىء القيس ، فليس هي من معهود شعره ، كما أن أهل الجاهلية لم يكونوا يؤمنون بالبعث ، فضلا عن أن يذكروا تفاصيل إخراج الأرض لأثقالها وقيام الأنام لربها ، مع حضور الرسل ليوم الحساب ، إضافة إلى مشهد حساب الله تعالى للخلائق ، إلا ما نقل عن الحنفاء الذين عرف اتصالهم بأهل الكتاب ، ووجد في شعرهم شيئ من ذلك كأمية بن أبي الصلت ، وزيد بن عمرو بن نفيل ، وامرؤ القيس ليس منهم قطعا .
الوجه السادس عشر : أن البيتين المنسوبين إليه ، والذين ذكرهما المناوي ، وهما :
يتمنى المرء في الصيف الشتاء حتى إذا جاء الشتاء أنكره
فهو لا يرضى بحال واحد قتل الإنسان ما أكفره
في هذين البيتين خلل من ناحية الوزن الشعري ، وبيانه أن كل أشطار البيتين من بحر الرمل ، إلا الشطر الثاني من البيت الأول ، فهو من بحر الرجز ، ولا يمكن أن يقع هذا من مثل امرىء القيس ، اللهم إلا إذا أخذنا بالرواية التي ذكرها الذهبي في تاريخه والتي نسب فيها البيتين إلى غير امرىء القيس ، أو الرواية التي ذكرها "التيفاشي" ، فحينئذ يستقيم البيت على بحر الرمل .
راعي همه
30-06-2011, 02:12 مساء
جزاك الله خير
متعوب عليه
حفص السيسي
30-06-2011, 05:53 مساء
شكرا لك عزيزي
vBulletin® v3.8.3, Copyright ©2000-2012, TranZ by Almuhajir