المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الإيثار


أبو يونس
09-01-2009, 10:25 مساء
الإيثار
بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إذا كنت ممن يسهلعليهم العطاء ولا يؤلمهم البذل فأنت سَخِي، وإن كنتَ ممن يعطون الأكثر ويُبقونلأنفسهم فأنت جواد.
أما إن كنت ممن يعطون الآخرين مع حاجتك إلى ما أعطيت لكنكقدمت غيرك على نفسك فقد وصلت إلى مرتبة الإيثار.
ورتبة الإيثار من أعلى المراتب،وإنما ينشأ الإيثار عن قوة اليقين وتوكيد المحبة، والصبر على المشقة، مع الرغبة فيالأجر والثواب.
ومن أهم الأسباب التي تعين على الإيثار:

1-الرغبة في مكارمالأخلاق، والتنزه عن سيئها، إذ بحسب رغبة الإنسان في مكارم الأخلاق يكون إيثاره؛لأن الإيثار أفضل مكارم الأخلاق.

2-بُغض الشُّحِّ، فمن أبغض الشُّحَّ علم ألاخلاص له منه إلا بالجود والإيثار.

3-تعظيم الحقوق، فمتى عظمت الحقوق عند امرئٍقام بحقها ورعاها حق رعايتها، وأيقن أنه إن لم يبلغ رتبة الإيثار لم يؤد الحقوق كماينبغي فيحتاط لذلك بالإيثار.

4-الاستخفاف بالدنيا، والرغبة في الآخرة، فمن عظمتفي عينه الآخرة هان عليه أمر الدنيا، وعلم أن ما يعطيه في الدنيا يُعطاه يومالقيامة أحوج ما يكون إليه.
5-توطين النفس على تحمل الشدائد والصعاب، فإن ذلكمما يعين على الإيثار، إذ قد يترتب على الإيثار قلة ذات اليد وضيق الحال أحيانًا،فما لم يكن العبد موطنًا نفسه على التحمل لم يطق أن يعطي مع حاجته.
درجاتالإيثار:
لقد قسم بعض العلماء الإيثار إلى مراتب ودرجات، فقد قال الإمام ابنالقيم رحمه الله تعالى:
الأولى: أن تُؤْثِرَ الخلقَ على نفسك فيما لا يخْرُمُعليك دِينًا، ولا يقطع عليك طريقًا، ولا يُفسد عليك وقتًا، يعني أن تُقدمهم علىنفسك في مصالحهم، مثل: أن تطعِمهم وتجوع، وتكسوهم وتعرَى، وتسقيهم وتظمأ، بحيثُ لايؤدي ذلك إلى ارتكاب إتلافٍ لا يجوز في الدين، وكلُّ سببٍ يعود عليك بصلاح قلبكووقتك وحالك مع الله فلا تؤثِر به أحدًا، فإن آثرت به فإنما تُؤْثِر الشيطان علىالله وأنت لا تعلم.


الثانية: إيثارُ رضا الله على رضا غيره وإن عظمت فيهالمحن وثقلت فيه المؤن وضعف عنه الطول والبدن ، وإيثار رضا الله عز وجل على غيره،هو أن يريد ويفعل ما فيه مرضاته، ولو أغضب الخلْق، وهي درجة الأنبياء، وأعلاهالِلرسل عليهم صلوات الله وسلامه. وأعلاها لأولي العزم منهم، وأعلاها لنبينا صلىالله عليه وسلم، وعليهم، فإنه قاومَ العالم كُله وتجرد للدعوة إلى الله، واحتملعداوة البعيد والقريب في الله تعالى، وآثر رضا الله على رضا الخلق من كل وجه، ولميأخذه في إيثار رضاه لومةُ لائم، بل كان همُّه وعزْمُه وسعيه كله مقصورًا على إيثارمرضاة الله وتبليغ رسالاته، وإعلاء كلماته، وجهاد أعدائه؛ حتى ظهر دين الله على كلدين، وقامت حجته على العالمين، وتمت نعمتُهُ على المؤمنين، فبلغ الرسالة، وأدىالأمانة ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاد، وعبد الله حتى أتاه اليقين من ربه، فلمينل أحدٌ من درجةِ هذا الإيثار ما نالَ، صلوات الله وسلامه عليه.


هذاوقد جرت سنة الله التي لا تبديل لها أن من آثر مرضاة الخلق على مرضاته: أن يُسخطعليه من آثر رضاه، ويخذُله من جهته، ويجعل محنته على يديه، فيعود حامدُهُ ذامًّا،ومن آثر مرضاته ساخطًا، فلا على مقصوده منهم حصل، ولا إلى ثواب مرضاة ربه وصل، وهذاأعجز الخلقِ وأحمقهم.


قال الشافعي رحمه الله: " رضا الناس غايةٌ لا تدركفعليك بما فيه صلاحُ نفسك فالزمهُ"، ومعلومٌ أن لا صلاح للنفس إلا بإيثار رضا ربهاومولاها على غيره، ولقد أحسن من قال:
فليتك تحلُو والحياةُ مريرَةٌ.. .. .. وليتك ترضى والأنامُ غِضَابُوليت الذي بيني وبينك عامرٌ.. .. .. وبيني وبينالعالمين خرابُإذا صحَّ منك الودُّ فالكّلُّ هينٌ.. .. .. وكل الذي فوق الترابترابالثالثة: أن تنسب إيثارك إلى الله دون نفسك، وأنه هو الذي تفرد بالإيثار لاأنت، فكأنك سلمت الإيثار إليه، فإذا آثرت غيرك بشيء؛ فإن الذي آثره هو الحق لا أنتفهو المؤثر على الحقيقة، إذ هو المُعطي حقيقةً.


مواقف خالدة فيالإيثارولقد سجل التاريخ بأحرف من نور مواقف خالدة للمسلمين بلغوا فيها المرتبةالعالية والغاية القصوى من الإيثار:
فهذا سيد الخلق وخاتم النبيين وإمامالمرسلين محمد صلى الله عليه وسلم تأتيه امرأة بُبردة فتقول: " يا رسول الله أكسوكهذه ؟ " فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم محتاجًا إليها، فلبسها فرآها عليه رجل منالصحابة، فقال: " يا رسول الله ما أحسن هذه ؟ فاكسنيها " فقال: " نعم " ، فلما قامالنبي صلى الله عليه وسلم لامه أصحابه فقالوا: " ما أحسنت حين رأيت النبي صلى اللهعليه وسلم محتاجًا إليها، ثم سألته إياها وقد عرفت أنه لا يُسأل شيئًا فيمنعه،فقال: " رجوت بركتها حين لبسها النبي صلى الله عليه وسلم لَعلِّي أُكَفَّن فيها " .


وأما أصحابه رضي الله عنهم والتابعون فحدث ولا حرج، فعن أبي هريرة رضيالله عنه أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فبعث إلى نسائه فقلن: " ما معناإلا الماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من يُضيف هذا ؟ " فقال رجل منالأنصار: أنا، فانطلق به إلى امرأته، فقال: أكرمي ضيف رسول الله صلى الله عليهوسلم، فقالت: ما عندنا إلا قوت صبياني. فقال: هيئي طعامك وأصبحي سراجك (أوقديه) ونومي صبيانك إذا أرادوا عشاء، فهيأت طعامها وأصبحت سراجها ونوَّمت صبيانها، ثمقامت كأنها تصلح سراجها، فأطفأته، فجعلا يريانه أنهما يأكلان، فباتا طاويين، فلماأصبح غدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: " ضحك الله الليلة - أو عجب - منفعالكما، فأنزل الله: (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهمخصاصة)[الحشر:].


وهؤلاء هم الأنصار يعرض أحدهم على أخيه من المهاجرين أنيناصفه أهله وماله فيأبى المهاجر ويقول: " بارك الله لك في أهلك ومالك ".
وهذاأبو طلحة أكثر الأنصار مالاً وأحب ماله إليه حديقة تسمى بيرحاء يسمع قول اللهتعالى: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون)[آل عمران:] فيأتي رسول الله صلى اللهعليه وسلم معلنًا أنه يتصدق بها لوجه الله تعالى.
وذاك قيس بن سعد بن عبادة يمرضويتأخر إخوانه عن زيارته فيسأل عنهم، فيقال له: "إنهم كانوا يستحيون مما لك عليهممن الدَّين، فيقول: أخزى الله مالاً يمنع الإخوان من الزيارة " .
ثم أمر مناديًاينادي: " من كان لقيس عليه مالٌ فهو في حلٍّ " .
فما أمسى حتى كسرت عتبة بابهلكثرة الزوار.


وإن تعجب فعجبٌ أمر هؤلاء الثلاثة الذين آثر كل منهم أخاهبالحياة، فقد قال حذيفة العَدَوي: " انطلقت يوم اليرموك أطلب ابن عمٍّ لي، ومعيشيءٌ من ماء، وأنا أقول: إن كان به رمق سقيته ومسحتُ به وجهه، فإذا أنا به، فقلت: أسقيك ؟ فأشار إليَّ أن نعم، فإذا رجل يقول: آه، فأشار ابن عمي إليَّ أن انطلق بهإليه، فجئته فإذا هو هشام بن العاص، فقلت: أسقيك ؟ فأشار إليَّ أن نعم، فسمع به آخرفقال: آهٍ، فأشار هشام: انطلق به إليه فجئته، فإذا هو قد مات. فرجعت إلى هشام فإذاهو قد مات، فرجعت إلى ابن عميفإذا هو قد مات. رحمة الله عليهم أجمعين " .


من فوائد الإيثار:
لو لم يكن من فوائده إلا أنه دليل كمال الإيمانوحسن الإسلام ورفعة الأخلاق لكفى، فكيف وهو طريق إلى محبة الرب سبحانه، وحصولالألفة بين الناس وطريق لجلب البركة ووقاية من الشُّحِّ ؟.




هذا والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد

وعلى آله وصحبة أجمعين

>_عاشق الجنان_<
15-01-2009, 05:40 مساء
جزاك الله خير

الله يجعلنا من المؤثرين
آمين

أبو يونس
16-01-2009, 08:50 مساء
>_عاشق الجنان_< :


وإياك..

تحياتي العطرة..