الجداوي
09-08-2010, 03:30 صباحاً
وإنّا له لحافظون .!
في إحدى الثانويّات في بلد يُحكم بالعلمانيّة ، ويتغنّى بالحرّيّة ، كان النقاش يثور ويحتدم دائماً بين مدرّس الدين ومدرّس الفلسفة .. حول مسائل شتّى .! دينيّة وفلسفيّة واجتماعيّة .. وكان مدرّس الفلسفة ذا نزعة إلحاديّة واضحة ، ولكنّه دمث الأخلاق ، حسن المعشر ، ناجح في علاقته بطلاّبه بصورة تدفعه إلى الفخر والاعتزاز ..
وكان ممّا احتدم فيه النقاش بين المدرّسَين قضيّة إعجاز القرآن الكريم ، وحفظ الله له من التحريف والتغيير والتبديل .. وكانت خلاصة رأي مدرّس الفلسفة عن ذلك أنّ القرآن كتاب كأيّ كتاب .! وأنّ هذا الأمر لم يجد من يتحمّس له .. ولو وجد لكان مصير كتاب الإسلام الأوّل كمصير ما سبقه من الكتب .! فقال له مدرّس الدين : فلمَ لا تتحمّس له أنت ، وتجرّب بنفسك ، وتقوم بهذه المحاولة .؟! فالتجربة أكبر برهان كما يقولون .؟!
وكان ممّا قال له مدرّس الدين : مَن برأيك يفترض أن يكون أغير الناس على الدين .؟! فقال له : رجال الدين .. فقال له : صدقت .. فما رأيك أن يكون تحريف الكتاب المقدّس على أيدي رجال الدين من أهل الكتاب أنفسهم ، وبإقرار وتبعيّة عمياء من أتباعهم ، بينما هذا الأمر لم يحدث مثله ، ولن يحدث للقرآن .. بل إنّنا نرى الطفل الصغير يردّ على الشيخ الكبير ، ولا يهابه إذا أخطأ في القرآن بحرف .! أفليس هذا من حفظ الله للقرآن .؟!
وانقطع الجدل بينهما عند هذا الحدّ .. ولكنّه عمل عمله في نفس مدرّس الفلسفة .. وكان يريد بنفسه شرّاً ، ويريد الله به خيراً ..
فما هي إلاّ أيّام حتّى طلع مدرّس الفلسفة على طلاّبه بهذا المشروع .. لقد قال لهم : أنتم على أبواب التخرّج في الثانويّة ، وعندي مشروع عمل بحثيّ فلسفيّ ، قد حظي بالدعم المادّيّ بسخاء من بعض مؤسّسات البحث العالميّة ، ومن يشترك فيه يحظى بمزايا لا ينالها الدكتور الجامعيّ في بلادنا ، مع إجازات سنويّة طويلة ، وفرص لا مثيل لها ، للسفر العلميّ على حساب المؤسّسة ، مع إمكانيّة متابعتكم للدراسة ، وأخذ ذلك بالحسبان .. فمن يريد منكم العمل في هذا المشروع الواعد ، فليكتب لي موافقته ورغبته ، وعنوانه الخاصّ للاتّصال به ..
فقال له بعض الطلاّب النابهين : وما طبيعة هذا المشروع .؟ وفي أيّ مجال من مجالات الفلسفة .؟ فقال له : سؤال لا يهمّكم جوابه كثيراً .. ولا مانع لديّ أن أزيدكم بعض الإيضاحات : إنّ عنوان هذا المشروع : " فلسفة الكلمة القرآنيّة .. " .
فقال له الطالب : ولكنّك يا أستاذ ـ مع احترامي لشخصك الكريم ـ غير مؤهّل للبحث في القرآن الكريم ، لأنّك مختصّ في الفلسفة ..
فقال له : صدقت أنا أحترم التخصّص العلميّ .. فلن أبحث من الوجهة الدينيّة ، وإنّما سنبحث بحثاً حرّاً من الوجهة الفلسفيّة ، واللغويّة والتاريخيّة ، ونستعين بالمقرّرات العلميّة ، والكشوفات المعاصرة .. وكلّ ذلك لا علاقة له بالبحوث الدينيّة .. إنّه مشروع نقديّ حرّ .. ينشد الحقيقة .. والحقيقة فقط ، ويتحرّاها .. ويقوم على المنهجيّة العلميّة ، والعلميّة فقط .. وأريدكم أن تدقّقوا ماذا تعني المنهجيّة العلميّة .؟ إنّها ترفض المسلّمات السابقة ، والأفكار الموروثة .. وأن تكتبوا آراءكم بحرّيّة ، كما تعلّمنا .. وحسبكم ذلك ..
وقدّم المدرّس لكلّ طالب ورقة صفراء ، ليكتب له رغبته من عدمها .. وجمع الأوراق في نهاية الحصّة ، وهو يتوقّع ما شاء من كتابات الثناء والإطراء ، التي اعتاد على مثلها فيما مضى .. عدا عمّا سيرى من تنافس كبير للالتحاق بمشروعه المميّز .. وكان يُمنّي نفسه بسهرة ممتعة مع كتابات طلاّبه .. ولكنّ المفاجأة كانت له مذهلة ..! فكلّ الكتابات كانت سلبيّة بطريقة مزعجة .. أحقّاً هذه كتابات طلاّبي ..! شيء لا يتوقّع ولا يعقل ..! وقلّبها المرّة الأولى فكانت له صدمة .. فوضعها جانباً ، وهو يشعر بالإحباط يسري في أوصاله .. وشرّقت به الأفكار وغرّبت : لعلّي لم أبلّغهم فكرتي بصورة صحيحة .! هل ضغوط الامتحانات وقربها لها تأثير سلبيّ على أفكارهم .؟! إنّهم يكتبون لي بطريقة مستفزّة .. لو كان غيري من المدرّسين لما تقبّل أسلوبهم وحاسبهم .. ولكنّهم تمادوا مع طريقتي الديموقراطيّة .. التي أعاملهم بها .. ولن أتخلّى عنها ..
وتشاغل عن هذه الأوراق ببعض قراءاته ، ولكنّ فكره كان فيها بكلّ مشاعره وأحاسيسه .. ثمّ عاد إليها بعد ساعات يقرأها واحدة واحدة .. كان يعرف أكثر طلاّبه من خطوطهم وأساليبهم .. فإخفاء أسمائهم كما طلب منهم لم ينقص من الأمر شيئاً ..
وكان ممّا كتب له طلاّبه ، وكأنّهم متواطئون على فكرة واحدة ، مع أنّهم لم يكن فيهم سوى ثلاثة طلاّب عرفوا بالتديّن : " لستُ على استعداد أن أكون في بؤرة غضب الها .. " " أنا أربأ بك يا أستاذي الفاضل أن تدخل دوّامة العبث .. " " مشروع فاشل من أوّله إلى آخره .. " " كناطح صخرة يوماً ليوهنها * فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل " " بئست شهادة الفلسفة التي تحملها إذا حملتك على الكفر .. " " قبلك حاول كثيرون .. فما أنت أوّل الفاشلين .. " " أريد لك الخير يا أستاذ ! دعك من هذا المشروع الفاشل .. " " ماذا قدّمت لآخرتك .؟ وقد قاربت الخمسين .. وغزاك الشيب بما معه .. " " أشتمّ من مشروعك روح الشكّ والإلحاد .. وأربأ بك أن تكون أداة .. أو تباع بثمن .. " " أرجوك أن تقرأ موضوع : كفر الذبابة للرافعي .. فكأنّ هذا من ذاك .. " " أعتذر عن المشاركة في مشروع عدوان على القرآن الكريم " " من أنت يا أستاذ .؟! القرآن.أكبر منك ، ومن كلّ فلاسفة الدنيا " .
وتقلّب تلك الليلة في فراشه ، وما عرف النوم إلى جفنيه سبيلاً .. فقام مرّة أخرى إلى تلك الأوراق ، يقلّبها واحدة واحدة ، يقرأ كلماتها ، وما وراءها ، ويربط بينها وبين كاتبيها ، وتواردت على نفسه الخواطر : ما كنت أحسب أنّ هؤلاء الطلاّب يحملون هذه الأفكار .. كنت أظنّ أنّ هذه الأفكار يحملها فلان وفلان فحسب .. ولكن لا بأس .. لا بدّ من جولة جديدة بل جولات مع هؤلاء الشباب لتصحيح أفكارهم ، وتخليصهم من موروثات الماضي المتخلّف .. المهمّة ليسَت سهلة .. ولكنّني لا أعجز ، ولن أعجز عنها ..
كانت أيّام الفصل الدراسيّ تهرول على الانتهاء ، وطلاّب الثانويّة العامّة ، وبخاصّة القسم الأدبيّ أخذوا يتسرّبون من المدرسة .. فأيّام الربيع الجميلة تغري بالهروب إلى أحضان الطبيعة الخلاّبة ، ودفْء الشمس ، بعد موجات برد الشتاء والصقيع ..
وكان كلّ الناس على موعد مع جمال الطبيعة إلاّ صاحبنا مدرّس الفلسفة .. لقد انقطع عن الناس ، وعكف على ذاته ، ينقّب في زواياها زاوية زاوية ، ويعيد النظر بمقولاته ومسلّماته ، ويستعرض مجالس نقاشاته الحادّة العنيفة مع زملائه في المدرسة ، ومع أقاربه ، ومع الناس .. وكأنّها أفلام مصوّرة ، هو البطل فيها ، والمخرج والمشاهد .. ونصب من نفسه قاضياً على نفسه ، ومحامياً عن نفسه ، وعاش مع نفسه في أخذ وردّ .. واستبدّ به القلق أيّاماً كانت كأنّها سنوات ، فعافت نفسه الطعام والشراب ، وقلّ نومه ، واضطرب نظام حياته .. فلا جليس له إلاّ القلم بين أصابعه ، والأوراق بين يديه .. وكان يتحدّث مع نفسه بلغة مسموعة ، وكأنّه يهلوس ..
ومضت إجازة منتصف العام ، ودبّت الحياة وصخبها في المدرسة من جديد ..
ومع بداية كلّ فصل لا بدّ من مفاجأة أو أكثر .. وكانت المفاجأة التي غطّت على كلّ مفاجأة أنّ مدرّس الفلسفة عاد بغير الوجه الذي ذهب به ، وغير السلوك الذي عرف عنه .. وقد شهد بذلك كلّ من رآه ..
وعندما سئل عن سرّ هذا التحوّل قال : لقد قلت ، ولا زلت أقول في كلّ مناسبة : " إنّني أستفيد من طلاّبي أكثر ممّا يستفيدون منّي .. لا أقول ذلك إلاّ حبّاً بالحقيقة ، واعترافاً بها ..
ولا يعيب الإنسان أن يعود إلى الحقّ ، وإنّما يعيبه أن يصرّ على الباطل ..
ومُني الفكر المحادّ لدين الله بضربة قاضية على جبهة من جبهات الصراع المحتدم .. والله غالب على أمره ، ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون ..
د/ عبدالمجيد البيانوني
في إحدى الثانويّات في بلد يُحكم بالعلمانيّة ، ويتغنّى بالحرّيّة ، كان النقاش يثور ويحتدم دائماً بين مدرّس الدين ومدرّس الفلسفة .. حول مسائل شتّى .! دينيّة وفلسفيّة واجتماعيّة .. وكان مدرّس الفلسفة ذا نزعة إلحاديّة واضحة ، ولكنّه دمث الأخلاق ، حسن المعشر ، ناجح في علاقته بطلاّبه بصورة تدفعه إلى الفخر والاعتزاز ..
وكان ممّا احتدم فيه النقاش بين المدرّسَين قضيّة إعجاز القرآن الكريم ، وحفظ الله له من التحريف والتغيير والتبديل .. وكانت خلاصة رأي مدرّس الفلسفة عن ذلك أنّ القرآن كتاب كأيّ كتاب .! وأنّ هذا الأمر لم يجد من يتحمّس له .. ولو وجد لكان مصير كتاب الإسلام الأوّل كمصير ما سبقه من الكتب .! فقال له مدرّس الدين : فلمَ لا تتحمّس له أنت ، وتجرّب بنفسك ، وتقوم بهذه المحاولة .؟! فالتجربة أكبر برهان كما يقولون .؟!
وكان ممّا قال له مدرّس الدين : مَن برأيك يفترض أن يكون أغير الناس على الدين .؟! فقال له : رجال الدين .. فقال له : صدقت .. فما رأيك أن يكون تحريف الكتاب المقدّس على أيدي رجال الدين من أهل الكتاب أنفسهم ، وبإقرار وتبعيّة عمياء من أتباعهم ، بينما هذا الأمر لم يحدث مثله ، ولن يحدث للقرآن .. بل إنّنا نرى الطفل الصغير يردّ على الشيخ الكبير ، ولا يهابه إذا أخطأ في القرآن بحرف .! أفليس هذا من حفظ الله للقرآن .؟!
وانقطع الجدل بينهما عند هذا الحدّ .. ولكنّه عمل عمله في نفس مدرّس الفلسفة .. وكان يريد بنفسه شرّاً ، ويريد الله به خيراً ..
فما هي إلاّ أيّام حتّى طلع مدرّس الفلسفة على طلاّبه بهذا المشروع .. لقد قال لهم : أنتم على أبواب التخرّج في الثانويّة ، وعندي مشروع عمل بحثيّ فلسفيّ ، قد حظي بالدعم المادّيّ بسخاء من بعض مؤسّسات البحث العالميّة ، ومن يشترك فيه يحظى بمزايا لا ينالها الدكتور الجامعيّ في بلادنا ، مع إجازات سنويّة طويلة ، وفرص لا مثيل لها ، للسفر العلميّ على حساب المؤسّسة ، مع إمكانيّة متابعتكم للدراسة ، وأخذ ذلك بالحسبان .. فمن يريد منكم العمل في هذا المشروع الواعد ، فليكتب لي موافقته ورغبته ، وعنوانه الخاصّ للاتّصال به ..
فقال له بعض الطلاّب النابهين : وما طبيعة هذا المشروع .؟ وفي أيّ مجال من مجالات الفلسفة .؟ فقال له : سؤال لا يهمّكم جوابه كثيراً .. ولا مانع لديّ أن أزيدكم بعض الإيضاحات : إنّ عنوان هذا المشروع : " فلسفة الكلمة القرآنيّة .. " .
فقال له الطالب : ولكنّك يا أستاذ ـ مع احترامي لشخصك الكريم ـ غير مؤهّل للبحث في القرآن الكريم ، لأنّك مختصّ في الفلسفة ..
فقال له : صدقت أنا أحترم التخصّص العلميّ .. فلن أبحث من الوجهة الدينيّة ، وإنّما سنبحث بحثاً حرّاً من الوجهة الفلسفيّة ، واللغويّة والتاريخيّة ، ونستعين بالمقرّرات العلميّة ، والكشوفات المعاصرة .. وكلّ ذلك لا علاقة له بالبحوث الدينيّة .. إنّه مشروع نقديّ حرّ .. ينشد الحقيقة .. والحقيقة فقط ، ويتحرّاها .. ويقوم على المنهجيّة العلميّة ، والعلميّة فقط .. وأريدكم أن تدقّقوا ماذا تعني المنهجيّة العلميّة .؟ إنّها ترفض المسلّمات السابقة ، والأفكار الموروثة .. وأن تكتبوا آراءكم بحرّيّة ، كما تعلّمنا .. وحسبكم ذلك ..
وقدّم المدرّس لكلّ طالب ورقة صفراء ، ليكتب له رغبته من عدمها .. وجمع الأوراق في نهاية الحصّة ، وهو يتوقّع ما شاء من كتابات الثناء والإطراء ، التي اعتاد على مثلها فيما مضى .. عدا عمّا سيرى من تنافس كبير للالتحاق بمشروعه المميّز .. وكان يُمنّي نفسه بسهرة ممتعة مع كتابات طلاّبه .. ولكنّ المفاجأة كانت له مذهلة ..! فكلّ الكتابات كانت سلبيّة بطريقة مزعجة .. أحقّاً هذه كتابات طلاّبي ..! شيء لا يتوقّع ولا يعقل ..! وقلّبها المرّة الأولى فكانت له صدمة .. فوضعها جانباً ، وهو يشعر بالإحباط يسري في أوصاله .. وشرّقت به الأفكار وغرّبت : لعلّي لم أبلّغهم فكرتي بصورة صحيحة .! هل ضغوط الامتحانات وقربها لها تأثير سلبيّ على أفكارهم .؟! إنّهم يكتبون لي بطريقة مستفزّة .. لو كان غيري من المدرّسين لما تقبّل أسلوبهم وحاسبهم .. ولكنّهم تمادوا مع طريقتي الديموقراطيّة .. التي أعاملهم بها .. ولن أتخلّى عنها ..
وتشاغل عن هذه الأوراق ببعض قراءاته ، ولكنّ فكره كان فيها بكلّ مشاعره وأحاسيسه .. ثمّ عاد إليها بعد ساعات يقرأها واحدة واحدة .. كان يعرف أكثر طلاّبه من خطوطهم وأساليبهم .. فإخفاء أسمائهم كما طلب منهم لم ينقص من الأمر شيئاً ..
وكان ممّا كتب له طلاّبه ، وكأنّهم متواطئون على فكرة واحدة ، مع أنّهم لم يكن فيهم سوى ثلاثة طلاّب عرفوا بالتديّن : " لستُ على استعداد أن أكون في بؤرة غضب الها .. " " أنا أربأ بك يا أستاذي الفاضل أن تدخل دوّامة العبث .. " " مشروع فاشل من أوّله إلى آخره .. " " كناطح صخرة يوماً ليوهنها * فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل " " بئست شهادة الفلسفة التي تحملها إذا حملتك على الكفر .. " " قبلك حاول كثيرون .. فما أنت أوّل الفاشلين .. " " أريد لك الخير يا أستاذ ! دعك من هذا المشروع الفاشل .. " " ماذا قدّمت لآخرتك .؟ وقد قاربت الخمسين .. وغزاك الشيب بما معه .. " " أشتمّ من مشروعك روح الشكّ والإلحاد .. وأربأ بك أن تكون أداة .. أو تباع بثمن .. " " أرجوك أن تقرأ موضوع : كفر الذبابة للرافعي .. فكأنّ هذا من ذاك .. " " أعتذر عن المشاركة في مشروع عدوان على القرآن الكريم " " من أنت يا أستاذ .؟! القرآن.أكبر منك ، ومن كلّ فلاسفة الدنيا " .
وتقلّب تلك الليلة في فراشه ، وما عرف النوم إلى جفنيه سبيلاً .. فقام مرّة أخرى إلى تلك الأوراق ، يقلّبها واحدة واحدة ، يقرأ كلماتها ، وما وراءها ، ويربط بينها وبين كاتبيها ، وتواردت على نفسه الخواطر : ما كنت أحسب أنّ هؤلاء الطلاّب يحملون هذه الأفكار .. كنت أظنّ أنّ هذه الأفكار يحملها فلان وفلان فحسب .. ولكن لا بأس .. لا بدّ من جولة جديدة بل جولات مع هؤلاء الشباب لتصحيح أفكارهم ، وتخليصهم من موروثات الماضي المتخلّف .. المهمّة ليسَت سهلة .. ولكنّني لا أعجز ، ولن أعجز عنها ..
كانت أيّام الفصل الدراسيّ تهرول على الانتهاء ، وطلاّب الثانويّة العامّة ، وبخاصّة القسم الأدبيّ أخذوا يتسرّبون من المدرسة .. فأيّام الربيع الجميلة تغري بالهروب إلى أحضان الطبيعة الخلاّبة ، ودفْء الشمس ، بعد موجات برد الشتاء والصقيع ..
وكان كلّ الناس على موعد مع جمال الطبيعة إلاّ صاحبنا مدرّس الفلسفة .. لقد انقطع عن الناس ، وعكف على ذاته ، ينقّب في زواياها زاوية زاوية ، ويعيد النظر بمقولاته ومسلّماته ، ويستعرض مجالس نقاشاته الحادّة العنيفة مع زملائه في المدرسة ، ومع أقاربه ، ومع الناس .. وكأنّها أفلام مصوّرة ، هو البطل فيها ، والمخرج والمشاهد .. ونصب من نفسه قاضياً على نفسه ، ومحامياً عن نفسه ، وعاش مع نفسه في أخذ وردّ .. واستبدّ به القلق أيّاماً كانت كأنّها سنوات ، فعافت نفسه الطعام والشراب ، وقلّ نومه ، واضطرب نظام حياته .. فلا جليس له إلاّ القلم بين أصابعه ، والأوراق بين يديه .. وكان يتحدّث مع نفسه بلغة مسموعة ، وكأنّه يهلوس ..
ومضت إجازة منتصف العام ، ودبّت الحياة وصخبها في المدرسة من جديد ..
ومع بداية كلّ فصل لا بدّ من مفاجأة أو أكثر .. وكانت المفاجأة التي غطّت على كلّ مفاجأة أنّ مدرّس الفلسفة عاد بغير الوجه الذي ذهب به ، وغير السلوك الذي عرف عنه .. وقد شهد بذلك كلّ من رآه ..
وعندما سئل عن سرّ هذا التحوّل قال : لقد قلت ، ولا زلت أقول في كلّ مناسبة : " إنّني أستفيد من طلاّبي أكثر ممّا يستفيدون منّي .. لا أقول ذلك إلاّ حبّاً بالحقيقة ، واعترافاً بها ..
ولا يعيب الإنسان أن يعود إلى الحقّ ، وإنّما يعيبه أن يصرّ على الباطل ..
ومُني الفكر المحادّ لدين الله بضربة قاضية على جبهة من جبهات الصراع المحتدم .. والله غالب على أمره ، ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون ..
د/ عبدالمجيد البيانوني